مؤخرا نشرت وزارة الثقافة السورية سبعة أناشيد مطروحة للملحنين والمغنين أن يختاروا واحدا منها ويلحنوه ليكون النشيد الوطني السوري القادم، بعد النشيد المغضوب (حماة الديار). فلذا رأيت أن أكتب مقارنة بسيطة بين هذه الأناشيد للممفاضلة ما بينها مع نشيد (في سبيل المجد).
وليس انتقادي هنا انتقادا للأشخاص، وإنما نقد أدبي بحت يعنى بالكلمة كما قرأتها، عليا بأن اطلاعي على الشعر والكتابة أوسع قليلا من سماع الأناشيد الحماسية على اليوتيوب.
باسم الله نبدأ
النشيد الأول
لكاتبه محمد أسعد عز الدين طالب
| بلادي بلادُ العُلا والإباء | شآمُ المكارِمِ والكِبرياء |
| إليها انتمائي بها خُيَلائي | فداها دمائي وحُقّ الفداء |
| لإرث الجدودِ ومجدٍ تليدِ | لمثوى الشهيدِ ومسرى السماء |
| حرامٌ علينا نزاعٌ يبُثُّ | أصيل الإخاءِ ويُردي الرّجاء |
| وعهداً سنحمي رُباكِ ونُعلي | لِواكِ ونمضي نُعيدُ البِناء |
| ونرعى كرامة شعب سقاها | كِرامُ النّفوسِ زكيَّ الدٌماء |
| وإنّا جحيمُ العُداةِ وحتفُ | الطُّغاة لنا أبداً ما نشاء |
| وخيرُ البُناةِ ونورُ الدّواةِ | ملأنا الدّهور هُدىً وبهاء |
| فدُمتِ شآمٌ عروسَ المعالي | وفخر البيانِ ومغنى الضّياء |
| ودام لراياتك الغُرَّ عِزٌّ | يبزُّ الشموس سنا وعلاء |
هذا نشيد جميل يستقيم فيه المعنى والمبنى وسهولة الغناء والحفظ. لا غبار عليه. لكنه يطول قليلا فلعله يتخصر إلي نصفه أو ثلثيه. والتقليل فيه من الحشو، فما هو (نور الدواة)؟ وكيف (ملأنا الدهور هدى وبهاء)؟ وما هي الشموس المذكورة إلا تذكيرا بنشيد (حماة الديار) المكروه؟
النشيد الثاني
لكاتبه تميم علي اليونس
| على هامِها قد رفعنا اللّواء | ورمزَ الكرامة والكِبرِياء |
| فقد خضٌبته جراح الشهيدِ | وآمال شعبٍ نماها الإخاء |
| تلاقت عليه نجومُ العُلا | على ياسمينِ غدٍ والنّقاء |
| وإرث الحضارة فيه بدا | يشير لجيل الهدى والبناء |
| فمن تُربها فاح عِطرُ الخلودِ | ووشّت رباها زُهورُ الفِداء |
| تتيهُ على زاهرات النجوم | وحُقَّ اختيالٌ لشام الإباء |
| فما أيأس الطامعين الغزاةَ | وتلك قبورهمو في العراء |
| فمن ذا يداني سُمُوَّ الشآمِ | ومن ذا يحاول نيل السماء |
هذا النص من أصفع النصوص المختارة، لا شيء فيه مختص بسوريا والشام عن غيرها (سوى الياسمين..). والضمير في (شامها) عائد على من؟ مرة مذكر فيقول (وإرث الحصارة فيه) ومرة مؤنث فيقول (فم تربها). والبيت الأخير يكرر الفكرة نفسها على الشطرين، كأننا والماء من حولنا قوم جلوس حولهم ماء.
النشيد الثالث
لكاتبيه أنس الدغيم ومحمد ياسين الصالح
| بالله نُقسِمُ والعوالي تُقسَمُ | والتينُ والزٌيتونُ فينا والدمُ |
| والأرضُ من أطرافها والأنجمُ | أن لا يهونَ الحقُّ أو يَهِنَ اللواء |
| كانوا وكنٌا .. والكواكبُ لا تُطالْ | تاريخنا مجدٌ وحاضرنا جلالْ |
| إنا ولو ضجّت بنا حَر النّصالْ | نبني ونُعلي في السما صرحَ البِناء |
| لبِلادِنا دَينٌ علينا ظاهرُ | أنْ لا يصولَ على ثراها غادرُ |
| ويذودَ عنها صَابرٌ ومُصابِرُ | يفدونَ بالأرواحِ شامَ الأنبِياء |
| يا سُورِيا يا موطنَ الحرفِ القديمْ | يا غٌرَّةَ التاريخ والنصرِ المقيمْ |
| نفديكِ بالأرواحِ في وجهِ الغريمْ | نسمو بأرضٍ ترتدي معنى السماءْ |
واضح أن كاتبي هذا النشيد—وهما الشاعر المعروف أنس الدغيم ووزير الثقافة الحالي محمد الصالح—ملآ الفراغات بهذا النشيد. إذ بنوه بطريقة هندسية مجدولة شملت كل المواضيع. ففيه الربط بالقرأن بذكر التين والزيتون، والربط ببقية الأديان بقولهم شام الأنبياء، وفيه الابتداء بالقسم مثل الأناشيد الجهادية، ووزنه وقافيته مناسبة للأناشيد الحماسية، وفيه ترميز لأوغاريت (الحرف القديم) وقولهم مهد الحضارات (غرة التاريخ)، وفيه الترميز إلى النشيد الحالي (أرض ترتدي معنى السماء).
لكن فيما بين هذه العناصر لا يستقيم التركيب ولا يخلو من الحشو. فمثلا قولهم (كانوا وكنا والكواكب لا تطال) .. ما معنى هذا؟ من هم الذين كانوا وكيف كانوا؟ وما هي الكواكب التي لا تطال؟ وما معنى أن الحاضر جلال؟1 أظن أن البيت اللاحق (إنا ولو ضجّت بنا حَر النّصالْ) كْتب أولا ثم ملؤوا الفراغ ببيت ضعيف المعنى. ولعل لو هذين البيتي أزيلا لكان النشيد كله أقوى وآفضل.
النشيد الرابع
لكاتبه محمد المحمد محمد جاسم
| نحن سوريون من نسل الأُباة | ولنا العلياءُ في ماضٍ وآتْ |
| كم قصمنا من ظلومٍ غاشمٍ | ولنا عزمٌ يدكُّ الرّاسيات |
| لا نخافُ الموت لا نخشى الردى | ليس منّا من يهابُ الحادثات |
| نطلب المجدَ ونعلو فوقَهُ | وخُطانا واثقاتٌ ثابتات |
| في شآم العزِّ علّمنا الدُّنى | أنّ أهل الحق هم أهل الثبات |
| من أتانا زائرا أهلا به | إنّنا الأحرارُ أهل المكرُمات |
| غير أنّا للأعادي حتفُهم | وقِراهُم من حِدادٍ مُرهَفات |
| نمنح السِّلم لمن سالمنا | ونذيقُ المعتدي طعم المماتْ |
| يا بلادي عهدنا نقطعه | أننا لا ننحني للنائبات |
| سوف نبقى أمّةً سوريّةً | تجمع الكلَّ ولا ترضى الشتات |
| إن شكت حورانُ يوماٌ ظمأً | هبّ يروي تُربَها نهر الفرات |
قصيدة حميلة، توحي بالأناشيد الجهادية المشتهرة. لا أدري إن كان يصلح نشيدا وطنيا يردد في المدارس والمباريات أم قصيدة جميلة تقال في المناسبات. ولكن فيه مشاكل في الوزن والكتابة لا أدري كيف فاتت على كاتبه وعلى من اختاره.
البيت (نمنح السلم لمن سالمنا) مكسور الوزن ولا يستقيم مع بقية النشيد. فـ(سالمنا) فيها ثلاث حروف معلولة متتابعة وباقي القصيدة حرفان. ويزيد على ذلك أنه ركيك الصياغة (كأنه يقول «نطعميهم قتلة») ويكرر المعنى في البيتين السابقين. وحذفه أفضل.
والبيت الذي يليه (يا بلادي)، مع حسن معناه، إلا أنه مكسور الوزن أيضا، وضعيف البمنى حيث يتحول المتكلم في منتصف الشطر من المفرد إلى الجمع. ولعل لو استُبدل الشطر الأول بشيء مثل (شامَنا عهدٌ علينا قاطعٌ) يستقيم المعنى والمبنى.
أما البيت الأخير (إن شكت حوران يوما ظمأ) على أنه بيت القصيد، إلا أنه يعاني من كسر الوزن في «ظمأ» (ويستقيم الوزن إن قال: إن شكا الجولانُ يوما ظامئا). ويزيد على هذا أن المعنى يقصُر عن المطلوب. فيوحي كأن لا مورد في سوريا غير الفرات والجزيرة، وكأن حلب والساحل «خارج المعادلة». ولا أدري كيف يُصلَح.
وغير هذا فهو نشيد جميل ولعل الملحنين يظهرون فيه ما لا أراه.2
النشيد الخامس
لكاتبه عكرمة عدنان مصطفى
| نهضنا أُباةً لعزّ الوطن | وردع الطغاة ووأد الفِتن |
| نجِدُّ نجِدُّ لنيل المنى | فكل لها قد أعدّ الثمن |
| لنا كلّ يوم جديد مفيد | وعهدا عن الحق أن لا نحيد |
| نصون العهودَ ونْعلي البنودَ | ونرضي الجدود بعهد رشيد |
| نمانا يقينٌ فكنّا الأباة | وعشنا لحفظ الحقوق الحُماة |
| نحقّق عدلا وننشر حبا | فتصفو النفوس وتحلو الحياة |
| لئن راح إثرَ الشَّهيدِ الشّهيدْ | تقدّم للنَّصرِ منَّا المزِيدْ |
| فنحيا السلامَ ونَهدي الأنامَ | فيورقُ صخرٌ وتخضر بيد |
| لنا في ضمير الخلودِ رسالةْ | بها الكون يهدَى فيحيا كماله |
| فليس لعزِّ الوجود سواها | وليس سِوانا لحمل الرسالة |
هذا جميل، ولكنه ليس فيه من سوريا والشام شيء ويصلح لأي بلد.
ولي عليه عدد من الملاحظات البسيطة: أولها على عبارة (نرضي الجدود)، فليست الغاية في دين الإسلام (وهو دين عموم الشعب) رضا الجدود، وإنما رضا الله عز وجل. ولعله إن قال (نرضي الإله) أو (نرضي الودود) لكان أفضل. وثانيها تكرار كلمتي (الأُباة) و(الرسالة) في موضعين متفرقين، مما يجعلهما أشبه بالحشو بعيدا عن التأكيد الحميل في (نجدٌ) و(الشهيد). وآخر الملاحظات موضوع نشر الحب وحلو الحياة، فأين الحماسة والفخر؟ هل الشعب شُعبة من الكشافة؟
ويجدر بالذكر هنا أن البيتين المطلعهما (لئن راح إثر الشهيد الشهيد) هما أجمل بيتين في هذه المجموعة كلها.
النشيد السادس
لكاتبه إبراهيم سليم الحريري
| مؤثل للنور يا دار الخلود | موطن يزهو على خفق البنود |
| دون مجد الشام عُقبان السما | وشهيد ماجد تلوَ الشهيد |
| راية الأحرار نبراس الهدى | آية تسمو على طول المدى |
| من عهود الفتح تعلو قاسيون | ودماء الطهر لم تذهب سدى |
| نبتدي من يبتدينا بالسلام | وعلى الباغين كالموت الزؤام |
| غصن زيتون مددنا للهدى | ولكيد المعتدي سيف حسام |
| يا رمال البحر يا أرض الفرات | كلنا نبت الربوع الطاهرات |
| من سهول الخصب من شم الجبال | إخوة من مهدنا حتى الممات |
| دمتِ أرض الماجدين | للعلا دنيا ودين |
| دمت عزا لا يدانى | باسم رب العالمين |
من أولها (مؤثل) من غريب الكلام (وهي مكتوبة «مؤئل» ولا أدري هل المقصود مؤثل أو موئل). ألا بدأتم النشيد بكلمة أقرب لأفهام الناس؟
ما عدا ذلك، فالنشيد عشرة من عشرة ويكاد يكون أجمل السبعة عندي لولا السابع.
النشيد السابع
لكاتبه أيمن الجبلي
| جدّدي الأمجاد يا أرض الإباءِ | واحملي للفجرِ آياتِ الضّياءِ |
| لا يموتُ الحقّ بل يحيا كريماً | حين تسقيهِ دماءُ الشّهداءِ |
| كلٌُنا نفدي الوطنْ | درعُهُ عند المِحن |
| عهدنا طولَ الزمن | أن نسير إلى العلا |
| شعبنا حر ولا يحني الجباها | صاغ من تاريخِهِ عِزًّا وجاها |
| غاية الأحرار أن يبقى عزيزا | موطنٌ راياته تعلو سماها |
| كلٌُنا نفدي الوطنْ | درعُهُ عند المِحن |
| عهدنا طولَ الزمن | أن نسير إلى العلا |
| نحمل الأقلام في السِّلم سلاحا | ثُمَّ تَغدو ساعة الحربِ رماحا |
| هكذا نبني بعِلمٍ ونِضالٍ | وشبابٍ يملؤ الدنيا كفاحا |
Ten out of ten no notes.
هذا هو آفضل المجموعة إطلاقا.
(في سبيل المجد) و (حماة الديار)
لا يخلو الكلام عن النشيد الوطني السوري عن نشيدين مهمين: أولهما هو النشيد الحالي المعروف بـ(حماة الديار) من تأليف الشاعر الكبير خليل مردم بك، وهو غير ارتباطه في أذهان الناس بحزب البعث الغاشم (رغم أنه نشيد سوريا منذ قبل الاستقلال) فهو نشيد ركيك ضعيف المعنى ما فيه إلا بيت واحد جميل. كتب فيه الشيخ علي الطنطاوي مقالة عام ١٩٤٦ أعدت نشرها هنا.
أما نشيد عمر أبو ريشة، في سبيل المجد والأوطان فهو المنتشر والمشتهر بين الناس، والذي اعتمده عموم الناس نشيدا وطنيا بعد سقوط نظام البعث. وهو حقيقةً أجمل من الأناشيد المطروحة هنا، وينبغي في الاستفتاء إن حصل أن يجعله ضمن بقية الخيارات> إذ عليه اختيار أغلب الناس.
لكن النشيد لا يعجبني شخصيا، لسببين: أولهما أن النشيد ليس مخصصا بسوريا، وإنما بأوطان العرب عامة. يدل عليها قوله (في سبيل المجد والأوطان) وذكره أن الوطن هو مهبط الوحي (ومهبط الوحي عند المسلمين مكة والمدينة).
والثاني وهو الأشد عندي هي عبارة (إن عيش الذل والإرهاق أولى بالعبيد). من هم العبيد المقصودون؟ ألسنا السوريون نريد الحرية للشعوب كلها؟ أم ما هو لنا لا يصح لغيرنا؟
الترتيب
هذا ترتيبي ورأيي
- جددي الأمجاد (السابع)
- في سبيل المجد والأوطان
- مؤثل للنور (السادس)
- نحن سوريون (الرابع)
- بالله نقسم (الثالث)
- بلادي بلاد العلا (الأول)
أما الباقون فلم يعجبوني. هذا والله أعلم